كشوف الحبر

 

طالما كنت أحلم بفض المنازعة بين الصالة والكتاب، بين اللوحة والصفحة، بين الرسم والتدوين. أحلم أن أعيد للكتاب حضوره المزين بصروف الأشكال، وأمتحن الأقلام بهبات العطر. وكأن ثمة لساناً للألوان. كنت أتمنى أن أرسم مقادير الكتاب في الصمت، حتى يكون قابلاً للفرجة – أيضا – مثل اللوحة. لكني كنت أحلم بالشاعر وليس بالرسام، الشاعر الذي يقامر بكل ميراثه على طاولات الرسم.

أن تجمع المعرض في كتاب ليس مجرد فكرة أو خيال، بل هو امتحان للجسارة المرفوعة إلى تلقين المثال، امتحان للبراهين المتحيرة في انتسابها إلى الرسم أم إلى التدوين. أحببت فكرة الخزائن في الكتاب، فاللوحة، حتى المتحدَّرُة منها من سلالة الرمز، هي بالنهاية، مفتوحة، عارية، مكشوفة. وحده الكتاب ينام على المغلق، على المقفل، غير المرئي، تحتاج أن تفتحه ليتحدث اليك هامساً أو يمنحك سره. الكتاب المصكوك كعملة أزلية تجمع الرسوم والأحبار والنقوش والأختام كندماء مقيمين في أعالي النزهات، هذا الكتاب هو نديمي في تدوين الغيب وتطاريزه :- السطور السابحة في العلامات كنعاس النور – الكلمات كلسانٍ يتعجب – الألوان المرفوعة كخرزة إلى عنق الأشكال – الأوراق المبعثرة بين أعمدة البرق، المتناثرة حتى نهاية " النقش خانة " – الأحبار التي وحدها الظلال توحد ألوانها – وربما الخيال أيضا -. كل هذا بغلاف من القطيفة يختطف اللهب من زهرة الجلال.

يذكر أئمة الكتابة، أن التشكيل العربي ولد في حجر اللسان الناطق، ومع الكتاب جاء الرسم – جاء النور من إصبع الله، ليس كرسم أو تنضيد وإنما كأشراقات تنشئ الشكل وترياقه – جاءت العين تجمع العماء من مجاهل الكون – جاءت اليد الحاذقة لتزيح ستائر اللامنظور وتدخل التجريد – جاء الشم ليقدم رائحة الورق والصمغ والحبر – جاءت الأصابع الملونة بفتنة الأصباغ لتتأكد من نعومة أو خشونة الصفحات – جاء اللسان ليتذوق طعم الورق عندما يرفع القارئ إلى فمه الإصبع الموجود على الصفحة – جاءت الحروف المرسومة كثمارٍ تتدلى من أغصان الخط – النقوش الموكلة بمخاطبة الغيب – الملائكة كتوريات للنور – البشر كخصائص الصلصال – الحيوانات كتأويل للآدمي – وكل هذا البياض من سلالة الحبر.

لكن يقيناً، إن نديمي هذا، لا يحب الذهاب أبعد من فكرة :- " العالم كتاب مرقع ونحن بعض سطوره "، لهذا هو يرفض بقاء إرث الرسم في موطن التكرار، يلملم الألوان ويتهجى الأشكال. يكره اللوحات التي تعيد " بردة " الطاعة على كتف " الآباء "، وتستجدي شفاعة الأساتذة كرغيف، وكأن كل لوحة جديد هي تكرار لزيارة العتبات.

وأنتَ، يا نديمي الآخر، لا أكتمك، إنني أوقفت أحباري وخطوطي على مذهب فنون القلم والقرطاس، وحفظت رسومي في خزائن عتيقة من الخشب وتوسلت بفراديس شيع اللون أن يكون عتادي عدة أمراء النقش من صناديق صغيرة وأقلام بسط مشطوفة ومقالم نحاسية وألواح صلاة، مع طهارة الحبر والورق وعيش أضيق من محبرة.