خذ ميثاق النبي
وليصبح الكتاب مهنتك.



خذ توق النمر في الكلمات، وسوط المروض، لا تجعل نمرك ينشغل بتحية أو مغازلة القراء، لا تتخمه بقطع اللحم، دعه يجوع حتى لا ينام في الحلبة، ارصد حركاته، رشاقته ولونه الجميل، نظراته المدربة، والأطواق النارية التي يقفز وسطها، اكتب اللحظة التي ترمي فيها الكلمات إلى الوحش، هذا الحيوان الذي يفضل العيش منفرداً، ويسترعي في الليل يقظة الآلهة. 

خذ الكوفي الذي تكتب به المصاحف وتحلى القصور وتسك النقود، واكتب هذا العالم المنكسر الذي يشبه الفقدان، ارسم الملاك المكلف بحمل الرسالة، أو اجمع الملائكة في احتفال كوني واجعلها تنشد في كتاب. 

خذ الكتاب الذي ينفتح مثل خرزة الفأل،
خذ قوة السحر،
خذ زعم المشرك " إن الملائكة بنات الله "، فالعدالة الإلهية يجف ماؤها الشافي، والأقدار تدخل كظلال تخسر انتحارها، ربما، تبلل صمتها بالدموع وتقول:- هذه النقوش التي يسوقها الله هي نحن، هذه الفرشاة هي مقابرنا، وهذا الحبر الأسود حدادنا. 

خذ البلاد التي تشبه حكاية جلبتها شهوة النار، وتفرج على الفيلم الوحيد الذي اسمه حياتك، شاهد:- 
القبر: حياة مقلوبة 
الصلوات: حيوانات منقرضة تخرج منها الكلمات 
الزمن: وقعت له بعض المصائب 
المعجزات: أعمى ينظر إلى الأمل. 
شاهد:- الجنود الموتى أو المحتضرين في حروب الآلهة، يطردون أحلام اليقظة، لا يرحبون بها، لا يتعاملون معها، ولا يبتسمون لها، كي لا يسقطوا في خديعة حروب مماثلة في المستقبل، فالحرب اغتالت حتى أوهامنا، ستقول:- لقد سقطنا في النواح. وأقول :- من ذا يستطيع أن يغلق أبوابه بوجه حروب تدخل خلسة لتغرس في العقل فكرة الشيطان ؟. من ذا يستطيع أن يفتح أبوابه لأفكار في المنام تحفظ الوصايا ولا نسمع منها إلا خيانة المصير ؟. 
حبر، أيها الحبر، مداد، أيها المداد 
انظر يا حبر، اسمع يا مداد 
ستبقى تجمع هذه " الخردة " 
طالما بقي الله يتكلم 
بحروب. 

خذ الحاضر: بشارة الجحيم. 
خذ القتل: حلاق الندم، ودعه يلون الجنون بألوان مثل ألوان طائرة ورقية، فقد انتصر الملفق الذي كنا نسخر من زيفه، ولا أدري، لماذا لا ينشر الله هذا العالم بطبعة جديدة، لماذا يختار هذه النسخة المسمومة، الممزقة، الصريعة، لينشرها – بالتأكيد كانت أمامه مخطوطات عدة – ألم تتحدث بدايات الخليقة عن عجن الطين أو طهوه لخلق الإنسان، لماذا لا يفكر الله بإعادة تسخينه، لماذا لا يعيد قلي الأفكار، وتتبيل العالم عسى أن يصبح له طعماً أو مذاقاً. 
إلهي، أيها الأب الذي ترك أولاده في الشقاء 
ملح جثثنا، لتطعمها إلى المؤمنين 
في الفردوس. 

خذ ألواح الطين، خذ النبوءات والكتب المقدسة، وصمم كتابك وفقاً لعبادة السماء والأرض، فكل كتاب يكتب نصف خياله، وحده السواد يكتب خياله كاملاً. وحدها الصفحات التي ينسخها الأعمى، تشدنا إلى كتاب لم يطلع عليه أحد، لا كتابة ولا نسيان، لا ديباجة ولا خاتمة، كتاب مكتوب بلا ناس أو تواريخ، حروفه بلا ملامح، ورغم كل محاولات الأعمى في تدوينها، تبقى بلا كلام، تحاول أن تحمي نفسها من الكتابة، ربما بصمت كله حمية وحماسة، صمت مفعم بالصمت... كمن ينظر إلى لوحة صامتة، ويسأل نفسه ؟ ماذا يعني أن تصمت أمام لوحة صامتة؟. ماذا يعني أن تنظر إلى لوحة لا تقول شيئاً ؟. فأي صمت هذا الذي يعيش في صمت ؟، وأي كتاب هذا الذي يعيش في كتاب ؟، وكلما فتحت كتاباً منه وجدت داخله كتاباً آخر يشبهه، لكنه أصغر منه. 

خذ الأختام التي تفتتح الكتاب وتختمه، واتبع أقوال أهل التفسير:- "كرامة الكتاب ختمه ". وخاطب المعدن، أيها الحكيم، اتبعني إلى فنائي، لترى رهباناً يعيشون وحيدين، ونساكاً يعذبون أنفسهم تحت شمس الصحراء الحارقة، يمارسون تدريبات قاسية على الزهد، كأنهم شهداء في صحراء شرقية، يحاولون إرهاب الآخرة، بتأسيس روحانية جديدة مبعثها العزلة، منشدين " لأرشالبيد ماكيش " أحد آباء العزلة الكبار وهو يعيش عزلته الصوفية الصافية في " أبرشيتهِ " التي خصها " سان جون بيرس " في قصيدة منفى. 
إذن، كل هذه الصور الفوتوغرافية لانعكاسات المرايا وألاعيبها ؟. 
كل هذه المعارك، ضد مفاسد الجسد والأفكار ؟. 
فكيف يمكن لشارح أو مفهرس أن يجمع كل هذه الأعذار المقبولة للعزلة ؟. كيف يمكن للمصائر أن تجمع كل هذه الشواهد التي تشبه الكتب ؟، أو تجمع الأقدار كحروف أبجدية في هذا السفر الذي يحمله الملاك وتنبئ صفحاته بحدوث كوارث مخيفة قادمة، وأي كون هذا ؟ ليختصرنا بحروف تستعجم على الكتابة، أو بحكمة لا تدون غير الوهم ؟. 

خذ تجارب تتقدم وحدها، بلا آلة للنفخ ولا زجالين، تتقدم وحدها، عزلاء، قوية وفاتنة، وحلمها حلم " والت ويتمان " بمجموعة من القراء الأحرار، وليس بناقد مترهل يفتح فمه ولا يقرأ غير الجريدة، يعتقد في سره، أن الثقافة هوة فاغرة لابد أن يهرع إليها، لكنه سرعان ما يعثر بعدم نضجه وبلا قدرته على فن القراءة أو المشاهدة، يعثر أو يسقط، وهو يعتقد، دائما، أن سقوطه 
"حسن الطالع " الذي يجعل الآخرين يتابعونه، لهذا يواصل التنحنح أو حتى السعال النقدي، ولا أدري ما الذي يجعل " البزّاقة " تكرر الشيء الممل نفسه مرة بعد أخرى، رغم أن " البزاقات " لا تطعن في الخفاء ولا تفعل ما يفعله المرابي والمخادع، ولا تكشر عن أنيابها مثل مصاص دماء. 
حبر، أيها الحبر. مداد، أيها المداد 
انظر يا حبر، اسمع يا مداد 
خذ ميثاق النبي 
وليصبح الكتاب مهنتك.

 
هولندا 2004